فخر الدين الرازي
465
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب ، ولما كانت الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيرا يسيرا فكذا زوال الإظلال لا يكون / دفعة بل يسيرا يسيرا ، ولأن قبض الظل لو حصل دفعة لا ختلت المصالح ، ولكن قبضها يسيرا يسيرا يفيد معه أنواع مصالح العالم ، والمراد بالقبض الإزالة والإعدام هذا أحد التأويلين . التأويل الثاني : وهو أنه سبحانه وتعالى لما خلق الأرض والسماء وخلق الكواكب والشمس والقمر وقع الظل على الأرض ، ثم إنه سبحانه خلق الشمس دليلا عليه وذلك لأن بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر ، وكما أن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل ويلازمه ، فكذا الأظلال كأنها مهتدية وملازمة للأضواء فلهذا جعل الشمس دليلا عليها . وأما قوله : ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً فأما أن يكون المراد منه انتهاء الأظلال يسيرا يسيرا إلى غاية نقصاناتها ، فسمى إزالة الأظلال قبضا لها أو يكون المراد من قبضها يسيرا قبضها عند قيام الساعة ، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الأظلال وقوله : يَسِيراً هو كقوله : ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ [ ق : 44 ] فهذا هو التأويل الملخص . المسألة الرابعة : وجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر نافع للأحياء والعقلاء ، وأما حصول الضوء الخالص ، أو الظلمة الخالصة ، فهو ليس من باب المنافع ، فحصول ذلك الظل ، إما أن يكون من الواجبات أو من الجائزات ، والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه ، لأن الواجب لا يتغير فوجب أن يكون من الجائزات ، فلا بد له في وجوده بعد العدم ، وعدمه بعد الوجود ، من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع ، وما ذاك إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن والترتيب الأكمل ، وما هو إلا اللَّه سبحانه وتعالى . فإن قيل : الظل عبارة عن عدم الضوء عما شأنه أن يضيء ، فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته ، وكيف عده من النعم ؟ قلنا : الظل ليس عدما محضا ، بل هو أضواء مخلوطة بظلم ، والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني وهو أمر وجودي ، وفي تحقيقه وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية . النوع الثاني : قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً اعلم أنه تعالى شبه الليل من حيث إنه يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن ، ونبه على ما لنا فيه من النفع بقوله : وَالنَّوْمَ سُباتاً والسبات هو الراحة وجعل النوم سباتا لأنه سبب للراحة قال أبو مسلم : السبات الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه ، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت ، وقال صاحب « الكشاف » السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة قال : وهذا كقوله : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [ الأنعام : 60 ] وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة ، لأن النشور في مقابلته يأباه ، قال أبو مسلم : وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة ، فقال : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ / حِينَ مَوْتِها [ الزمر : 42 ] والتي لم تمت في منامها كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور ، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمه على خلقه ، لأن الاحتجاب بستر الليل كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية ، والنوم واليقظة شبههما بالموت والحياة ، وعن لقمان أنه قال لابنه : كما تنام فتوقظ ، كذلك تموت فتنشر .